الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
147
مختصر الامثل
سبب النّزول روي في تفسير مجمع البيان أنّ الأكل كان محرّماً في شهر رمضان بالليل بعد النوم ، وكان النكاح حراماً بالليل والنهار في شهر رمضان ، وكان رجل من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقال له مطعم بن جيبر . . . شيخاً ضعيفاً ، وكان صائماً ، فأبطأت عليه أهله بالطعام فنام قبل أن يفطر ، فلمّا انتبه قال لأهله : قد حُرّم عليّ الأكل في هذه الليلة . فلمّا أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه ، فرآه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فرقّ له . وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرّاً في شهر رمضان ، فأنزل اللَّه هذه الآية فأحلّ النكاح بالليل في شهر رمضان ، والأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر . التّفسير رخصة في أحكام الصوم : مر بنا في سبب نزول الآية أنّ النكاح كان محرماً في ليالي شهر رمضان إضافة إلى نهاره ، وأنّ الأكل والشرب كانا محرمين في الليل أيضاً بعد النوم ، ولعل ذلك كان اختباراً للجيل الإسلامي الأول وإعداداً له كي يتقبل أحكام الصوم الثابتة . الآية الكريمة تتضمن أربعة أحكام إسلامية في حقل الصوم والاعتكاف . تقول أوّلًا : « أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ » « 1 » . ثم تذكر الآية سبب الحكم فتقول : « هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ » . واللباس يحفظ الجسم من الحر والبرد وأنواع الأخطار من جهة ، ويستر عيوب الجسم من جهة أخرى ، أضف إلى أنّه زينة للإنسان ، وتشبيه الزوج باللباس يشمل كل هذه الجوانب . ثم يبين القرآن سبب تغيير هذا القانون الإلهي ويقول : « عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ » . فاللَّه سبحانه وسّع عليكم الأمر وخففه ، وجعل فيه رخصة بلطفه ورحمته ، كي لا تتلوثوا بالذنوب . « فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ » . ثم تبين الآية الحكم الثاني وتقول : « وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ » . وتبين الآية الحكم الثالث : « ثُمَّ أَتِمُّوا الصّيَامَ إِلَى الَّيلِ » .
--> ( 1 ) « الرفث » : هو الحديث المكشوف عن المسائل الجنسية ، واستعير لمعنى الجماع كما في الآية .